بناء الوعى فى قضية الأخلاق( ٢).. بقلم الباحث /محمد أحمد عبدالله

0
0

كتب

المحرر والناشر الإلكتروني لجريدة صوت الشعب، الصادرة من وعن محافظة دمياط

“بناء الوعى فى قضية الأخلاق” «2»

اعتنى الدينُ بقضيةِ الأُخوّةِ، وأقرَّها مهْمَا ابتعدَ النسبُ واختلفَ الدين، والدليلُ على هذا ذِكرُها بينَ الأنبياءِ وأقوامِهِم الذين لم يؤمنوا بهم ولم يَتبعوهُم، بل عادَوْهم، قال تعالى فى سورة الشعراء: «كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ»(105 :106)، وقال سبحانه: «كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ»، ( 123: 124)، وقال: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ»، ( 140 :141)، وقال عز وجل: «كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ»، (160:161) وهذه الآياتُ ناطقةٌ بالأُخوةِ بينَ النبيِّ المرسَلِ ط رغمَ تكذيبِهم إيَّاه.

وقد جعلَ الإسلامُ للأُخوّةِ أُسسًا أخرى مع النسبِ والدمِ، فبيَّنَ أنَّ الإيمانَ رحِمٌ تجمُعُهم وتُقرّبُ بينَهُم وتجعلُ بينَهُم أُخوّةً صادقةً وإنِ اختلفتِ الدماءُ والأنسابُ والأعراقُ، قال الله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»، (الحجرات – 10)، وكما منَّ اللهُ تعالى على عبادِه بالأُخوةِ فى الدنيا فكذلك جعَلَها مِن نعمِهِ عليهم فى الجنَّةِ، قال سبحانه: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ» (الحجر 45 : 47).

وقد أمَرَ سيدُنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأنْ يتآخَى الناسُ فيما بينَهُم فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تَحاسدُوا، ولا تَناجَشُوا، ولا تَباغضُوا، ولا تَدابَرُوا، ولا يَبِعْ بعضُكُم على بيعِ بعضٍ، وكونُوا عبادَ اللهِ إخوانًا، المسلمُ أخُو المسلمِ، لا يَظلمُهُ ولا يَخذلُه، ولا يَحقرُه، التقوَى هاهُنا»، ويشيرُ إلى صدرِهِ ثلاثَ مراتٍ: «بحَسْبِ امرئٍ مِن الشرِّ أنْ يَحقرَ أخاهُ المسلمَ، كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ، دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرضُهُ» (متفق عليه، واللفظ لمسلم).

وقد بدأَ صلى الله عليه وسلم بالنهى عن التحاسدِ، والتناجشِ (وهو المزايدةُ فى سعرِ سلعةٍ لإيقاعِ الغيرِ فى شرائها)، والتباغضِ، والتقاطعِ، والنهى عن أن يبيعَ المسلمُ على بيعِ أخِيهِ، وقد بيَّنَ العلماءُ أنَّ ذِكرَ هذه النواهى قبلَ الأمرِ بالتآخى فيه إشارةٌ إلى أنَّ أبناءَ المجتمعِ إذا تَركُوا هذهِ الأفعالَ كانوا إخوانًا.

وهذا يبينُ كيفَ كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسُوسُ النفوسَ حتى تَرتقيَ فى مدارجِ الخُلُقِ الكريمِ والحضارَةِ الساميةِ بدونِ طفرَاتٍ تَتسببُ فى الِارتدادِ والتردِّى (السقوط).

وبهذا أيضًا نَعلمُ أنَّ التدرجَ فى التوجيهِ ليسَ مجرَّدَ تقسيمٍ للمراحلِ، وإنما هو ترتيبٌ لها بمَا يتفقُ وطبيعةَ النفوسِ بحيثُ تُهيّئُ كلُّ مرحلةٍ النفسَ البشريةَ للمرحلةِ التى تَلِيها، وهذا معناهُ أنه على كلِّ مسئولٍ أنْ يقومَ بوضعِ خُططٍ دقيقةٍ للإصلاحِ والتقدُّمِ تقومُ على دراسةِ الواقعِ مِن ناحيةٍ، ومُناسِبةٌ لطبيعةِ المجتمعِ وثقافتِهِ من ناحيةٍ أخرَى، كما أنه لا بدَّ مِن التنسيقِ العامِّ الذى تكونُ به خُططُ الرقى والتقدُّمِ متعاضدةً غيرَ متعارضةٍ.

وقولُه صلى الله عليه وسلم: «عبادَ الله» نداءٌ يُبيّنُ الصلةَ التى تجعلُهم إخوةً، وهى أنهم عبادٌ للهِ تعالى، وهى صفةٌ يستوونَ فيها، فلا يُفرِّقُ بينَهم فروقٌ النسَبِ، أو المالِ، أو القوةِ، أو الجاهِ، أو السلطانٍ.

وهذا الأمرُ الكريمُ: «وكونوا عبادَ الله إخوانًا» يتضمن أمرًا بكلِّ ما يحقّقُ الأُخوةَ، من أداءِ الحقوقِ، وإحسانِ التعامل، ونشرِ السلامِ، وتبادلِ الهدايا.

الأثنين 26من ذي القعدة 1445 هــ 3 يونيو 2024 م
بقلم الباحث محمد أحمد عبد الله

اترك تعليق

من فضلك، أدخل تعليقك!
من فضلك، أدخل اسمك